IMG-20201225-WA0042.jpg

أ.د. لطيفة حسين الكندري

04/04/2021

المخاوف الرقمية والمتطلبات الجامعية

 

قربت التقنية الرقمية المسافات، ووفرت الفرص التعليمية؛ إذ أتاحت ملايين الكتب والمقالات والدراسات والمحاضرات على شبكة الانترنت. هذه المعطيات المتجددة وغيرها أسهمت في إيجاد أرضية ثقافية خصبة لتنوير الشباب، وفتحت بوابات إثراء العلوم وابداع الفنون. من المؤكد أن معظم الطلبة يمتلكون مهارات تقنية متقدمة، وهذه الأدوات والآليات الرقمية إذا لم تصاحبها رؤية قيمية سليمة، فإنها ستسيطر سلبا على اتجاهاتهم وتشغل بالهم في مسائل لا طائل تحتها. في ضوء ذلك ينبغي ضبط مهارات استخدام شبكات الإنترنت وربطها بقيم وأهداف ملائمة تُسعف المتعلم، وتحفظ أوقاته، لا سيما مع أوضاع التعليم عن بُعد.

ومن الهواجس المرتبطة بالعالم السيبراني تزايد الاعتماد على مواقع الانترنت إلى درجة الإدمان، وهذا يحمل في طياته مخاوف أخلاقية مرتبطة بعادات تعليمية خاطئة، خاصة أثناء أداء المتطلبات الدراسية؛ النسخ الحرفي «القص واللصق»، والاجابات القصيرة، وغياب التعلم التدبري. إذا لم يتم تفادي السلبيات المذكورة وغيرها، فإنها ستقوم حتما بالإضرار بالمخرجات التعليمية على نحو أوسع وأخطر، وستحرم الدارسين من روعة المناقشات العميقة، ورحابة الحوارات الحصيفة، وغنيمة المراجعات الهادفة. رغم المزايا العديدة للشبكة العنكبوتية، فإنها ولدت العجلة والاتكالية عند عدد من أبناء الجيل الحالي، وربما أغوت البعض بنقل العلم نقلا حرفيا من دون توثيق ومن غير بحث عن الأمر المراد في مظانه. الأخذ من مناهل العلم مثل المكتبة وسيلة تصقل العقول، وتعلم روادها معاني الصبر ومهارات التأني والتفكر والبحث الدائم.

 

وفي هذا المجال كتب الباحث عبيد الظاهري في تغريدة من تغريداته «من الأزمات التي يعيشها الشباب في هذا الزمن، الوفرة في المهارات والوسائل والأدوات؛ والفقر في القيم والمضامين والغايات؛ ويعجبني في بيان هذا المعنى إجابة لويليام فوكنر عندما سُئل مرة عما يراه في الجيل الجديد من الكُتّاب، فقال بوضوح: هم يكتبون بطريقة جيدة لكن ليس لديهم ما يقولونه». أعتقد أن هذا التعميم على جيل بأكمله - في القرن العشرين وبعده - محل نقاش طويل.

 

وفي سياق التحديات الأكاديمية التي قد تصيب الشباب بداء الاعتماد الكلي على المذكرات الدراسية والعزوف عن الرجوع إلى الكتب المنهجية الموسعة. هذا الداء من أسباب انحدار التعليم، لأنه يحرم الطالب من الاطلاع على المراجع الأصيلة واستثارة روح الحوار، مما يؤدي إلى التهرب من زيارة المكتبات، ومراكز البحث والثقافة، ويمنع من الاتصال بالباحثين بذريعة توافر الأوعية الإلكترونية، والاكتفاء بالملخصات المصورة.

 

ومن المنحدرات الخطيرة، والمسارات المخيفة ذلك التدافع والتكالب على المكاتب التجارية التي تقوم بأداء المشاريع للطلبة مقابل مبالغ مالية. في كل الأحوال، فإن التواصل الفعّال بين الطالب والمعلم وسيلة لمواجهة تجاوزات المكاتب التجارية. ولعل توفير مكتب استشاري داخل المؤسسات التعليمية يقدم العون العلمي بصورة صحيحة للطلبة وقاية إجرائية من ظاهرة شراء الأبحاث والمشاريع. رغم جميع الخواطر والمخاطر السابقة، فإننا نثق بقدرات الجيل الجديد في تجاوز التحديات السيبرانية، وحفظ المكتسبات، والتطلع إلى المزيد من المنجزات.